ابن حمدون
409
التذكرة الحمدونية
وضعتكم بها ، فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بحرص كلّ رجل منكم على التقدّم قبل صاحبه ، فلا يكوننّ ذلك منكم فيجد في أدبكم طعنا ، فإنه ملك مترف وقادر متسلَّط . ثم دعا لهم بما في خزانته من طرائف حلل الملوك ، فكسا كلّ رجل منهم حلَّة وعمّمه بعمامة وختمه بياقوتة ، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة ومهرية وفرس يجنب معه ، وكتب لهم كتابا فيه : أما بعد فإنّ الملك ألقى إليّ من أمر العرب ما قد علم ، وأجبته فيه بما قد فهم ، مما أحبّ أن يكون منه على علم ، ولم يتلجلج في نفسه أنّ أمة من الأمم التي افتخرت دونه بملكها وحمت ما يليها بفضل قوتها يبلغها في شيء من الأمور التي يتعزّز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة . ولقد أنفذت إليك أيها الملك رهطا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم ، فليسمع الملك منهم وليغمض عن جفاء إن ظهر منهم ، وليكرمني بإكرامهم ويعجّل سراحهم ، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم . فخرج القوم في أهبتهم حتى دفعوا إلى باب كسرى بالمدائن ، فدفعوا إليه كتاب النعمان فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم . فلما كان من الغد أمر مرازبته ووجوه أهل مملكته فحضروا مجلسه ، وجلس على سريره ، وتتوّج بتاجه ، وتهيّأ لهم بأعظم الهيئة ، ثم أذن لهم فدخلوا وأجلسوا على كراس عن يمينه وعن شماله ، ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وصفهم بها النعمان في كتابه ، فقام الترجمان ليؤدي إليه كلامهم ، ثم أذن لهم في الكلام . ( 1 ) فقام أكثم بن صيفي فقال : إنّ أفضل الأشياء أعاليها ، وأعلى الرجال ملوكها ، وأفضل الملوك أعمّها نفعا ، وخير الأزمنة أخصبها ، وأفضل الخطباء أصدقها : الصدق منجاة ، والكذب مهواة ، والشر لجاجة ، والحزم مركب صعب ، والعجز مركب وطيء ، وآفة الرأي الهوى ، والعجز مفتاح الفقر ، وخير الأمور مغبة الصبر ، حسن الظنّ ورطة ، وسوء الظنّ عصمة ، إصلاح فساد الرعية خير من